هؤلاء عادوا الى الحياة

الحشيش

أخيرا وبعد معركة صعبة وقاسية تمكنوا من الإفلات من براثن الإدمان‏..‏أطباء ومهندسون وخريجو جامعات ونوابغ في مختلف المجالات سقطوا فريسة المخدرات‏,‏ وبالإرادة والصبر والعزيمة والعلاج عادوا اخيرا الي الحياة

ووسط دموع الأهل وفرحتهم وقف هؤلاء في حفل بمستشفي متخصص في علاج الإدمان يروون تجربتهم.. وكيف تمكنوا من قهر نقاط ضعفهم بعد ان سرقت المخدرات زهرة شبابهم وصحتهم..القصص مؤلمة لكنها تستحق ان تروي!

المدمنون في الحقيقة وليس كما يتصور البعض مجموعة من الفاشلين أو المجرمين أو الخارجين عن القانون.. بل علي العكس فمعظمهم أشخاص عاديون وطيبون لكنهم سقطوا رويدا رويدا في مصيدة الادمان

النموذج الأول الذي قابلته هو رأفت62 سنة طبيب أعزب يقطن بالتجمع الخامس يحكي عن تجربته قائلا: لم أتصور يوما أنني يمكن ان اقع فريسة للمخدرات سواء بنفسي او عن طريق أحد اصدقائي..رحلتي بدأت بتعاطي الحشيش والبيرة ومع الملل والرغبة في التغيير بدأت اشعر بأن الحشيش لم يعد يكفيني او يشعرني بالرضا فاتجهت لزيادة كمية الحشيش.. كانت المشكلة انني أريد تاجرا اكبر للحصول علي الحشيش بسعر أقل… ذهبت مع الديلر( الموزع) إلي شارع العريش بالهرم وشارع العشريني في فيصل وخالد بن الوليد بالاسكندريه ثم سافرت الي مرسي مطروح والكيلو12 وسيدي كرير للوصول الي التاجر الأكبر

وبدأت اشتري في المرة الواحدة نصف فرشة( نصف قالب حشيش) وتطورت مصاريفي من ألف جنيه في الشهر إلي عشرين ألف جنيه في الاسبوع وبدأت أتعاطي كميات أكبر دون أن تشعر أسرتي.

تحول الواقع عندي إلي خيال..تهيؤات وهلاوس واقترح علي رفقاء السوء أن أغير الصنف.. فاتجهت إلي الترامادول بمساعدة صيدلي صديق يبيع المخدرات.. وفي لحظة يأس قررت الاتجاه للهيروين وسافرت إلي الساحل الشمالي والإسماعيليه والقليوبية للحصول عليه..بعت سيارة أبي وذهب أمي وسرقت كل من حولي

لن انسي حين طاردتني الشرطة داخل صحراء مرسي مطروح وألقت القبض علي خلال محاولتي شراء الهيروين..لحظتها قررت الاعتراف لاهلي وطلبت المساعدة..

ساعدني اخي طالب الحقوق وخالي لكنني رفضت الذهاب إلي المصحة..فكل فكرتي عنها أنها مجرد تجمع للمدمنين يتبادلون فيه الخبرات..ذهبت إلي طبيب وأخذت علاجا لمدة تسعة أشهر وتعافيت لكنني عدت للتعاطي من جديد.. وأخيرا ذهبت إلي المصحة وتم شفائي.. كل ما أريد أن اقوله إن الإدمان تجربة مدمرة لا تستحق من احد أن يجربها!

النموذج الثاني الذي قابلته محمد بكالوريوس هندسه أكاديمية الشروق يتحدث عن تجربة سقوطه في بئر الإدمان قائلا: اعترف لم تكن لدي مشاكل صحية وأسرية.. عشت مع أسرتي في السعودية لمدة21 عاما وعدت الي مصر في الصف الثالث الإعدادي, بتشجيع أصدقائي بدأت تدخين السجائر ثم الحشيش.. وكان طبيعيا ان أدخل هذه الدائرة فقد كنت في مجتمع مغلق وفجأة وجدت نفسي في مجتمع مفتوح..وعندما سمعت عن شيء جديد يضاف إلي الحشيش قررت التجربة..وهكذا ذهبت مع صديق الي زهراء مدينة نصر لشراء الترامادول..في البداية اضفت نصف حبة ترامادول الي الحشيش ثم حبة كاملة…. كنت اشتري يوميا بنحو52 جنيها حشيشا و02 جنية ترامادول.. تفوقي الدراسي تراجع فاتجهت للغش في الامتحانات واستخدمت ذكائي في اختراع أساليب مختلفة للغش وعمل البراشيم… ثم اتجهت لسرقة كل من حولي واختراع حكايات هندي للحصول علي المال.

لكن كل ذلك لم يعد يكفي فقررت أن أعمل كديلر( موزع بالقطاعي).. وقررت التفرغ تماما لهذا العمل فاستقلت من عملي باحدي شركات البترول لكن زوجتي اكتشفت أمري وطلبت الطلاق..أظلمت الدنيا في عيني.. شاهدت بالمصادفة برنامجا تليفزيونيا عن الإدمان وقررت أن اطلب المساعدة…وأخيرا دخلت مستشفي لعلاج الإدمان بمساعدة أسرتي وأمضيت فيها تسعة اشهر… أقلعت خلالها عن كل أنواع المخدرات..الحمد لله أنا الآن افضل ونصيحتي لكل مدمن أن يتحرك لإنقاذ نفسه بسرعة وطلب المساعدة من الاهل فورا فنتيجة الادمان الخراب!

النموذج الثالث الذي التقيته أيمن-43 عاما بكالوريوس إدارة أعمال مودرن أكاديمي مطلق وله طفل عمره ست سنوات يروي تجربته قائلا: رحلتي مع الإدمان بدأت من41 عاما كنت طالبا في الجامعة وكان معظم من حولي مدمنين علي المخدرات والخمور.. كنت أسكن في المعادي وهي منطقة يقطنها الأجانب وتتوافر فيها المخدرات..بدأت بجلسة مع اصدقاء وذهابي إلي الديسكو والخمر..لكن ذلك لم يكن كافيا فاتجهت الي الحشيش…. ومع التحاقي بالعمل وجدت زميلا لي أكثر نشاطا مني فسألته عن سر هذا النشاط فدلني علي الترامادول.. بعدها جربت كل أنواع المخدرات..

تزوجت وخدعت زوجتي ولم أعترف لها بإدماني وكان من الطبيعي ان ينتهي زواجي بعد فترة قصيرة بالطلاق..زادت مشاكلي الاجتماعية خاصة بعد فشل زواجي وحمل طليقتي.. اتجهت للتعاطي أكثر..فقدت معظم وزني.. مظهري اصبح اقرب للمتشرد..بعت اللاب توب والمحمول.. ومع إصرار اهلي ذهبت إلي المصحة للعلاج..الحمد لله انا الآن افضل واحضر لشهادة الماجستير..وكل ما أريد أن اقوله للشباب احترسوا من أصدقاء السوء..فالصديق قد يكون( ديلر) وأنت لا تدري.

معظم شباب مصحات علاج الادمان من خريجي الطب والهندسة وإدارة الأعمال ومنهم رجال اعمال ومتدينيون دخلوا دائرة الإدمان لفترات تتراوح ما بين3 و01 سنوات. والمدمن شخص لم يعد لديه أي قيم..فهو يكذب ويسرق ويخدع ويخاطر ويقوم بأي تصرف للحصول علي المخدر ومهما كانت النتائج..المدمن شخص حاد وملول وباحث عن الإثارة والمخاطر وراغب في التغيير والتجربة..ولأن المخدر يدمر خلايا في المخ كما يدمر الحياة…فالإرادة ومساعدة الاهل ضرورية لمساعدة المدمن علي العلاج.. ونحن نعتمد في البداية علي الادوية وهي أسهل مرحلة في العلاج ثم نبدأ بعد ذلك مرحلة العلاج النفسي بالتعريف العلمي بأخطار المخدرات وتأثيرها علي المخ وخسائرها الصحية والنفسية والمالية.

معظم المدمنين يتم شفاؤهم لكنهم يحتفظون بالسلوك الإدماني لوجودهم في مجتمع من المدمنين والفتيات المنحرفات..وهذا ما يسهل عودتهم الي الادمان.. ومرة اخري يلجأ للكذب والسرقة ويرفض العلاج النفسي.. والمطلوب في هذه المرحلة تعديل السلوك الإدماني بان يثق المدمن في الطبيب

الاخطر ان بعض المدمنين يعانون اصلا من الخجل أو الرهاب المجتمعي أو اضطرابات الشخصية أوعدم القدرة علي الحوار مع الجنس الآخر.. وهم يتعاطون لمواجهة عدم ثقتهم في انفسهم..لكن هؤلاء من السهل علاجهم نفسيآ حتي لا يعودوا الي دائرة الادمان.

بعض المدمنين والكلام للدكتورة سمر أدمنوا لوجودهم داخل اسر مدمنة.. يتعاطي فيها الاب او الام الحشيش ويشرب الكحوليات.. ولأن هؤلاء المثل الاعلي فمن الطبيعي ان يقلدهم الابناء..المشكلات العائلية ايضا سبب رئيسي للادمان

وتضيف: نصيحتي لكل اب وام اهتموا بمتابعة اصدقاء ابنائكم.. فالديلر يمكن ان يكون اقرب الاصدقاء وهو الذي يعطي ابنك او بنتك الجرعة الاولي.. الديلر الان لم يعد البلطجي أو طريد العدالة.. انتبهوا لاصدقاء ابنائكم

من احدث انواع العلاج هو العلاج الجماعي.. وهو عبارة عن دائرة يجلس فيها الشباب ويحكي كل منهم عن تجربته..هذا النوع من العلاج حقق نتائج مبهرة..فهو يزيد ثقة المدمن في نفسه ويدعم رغبته في العلاج

المشكلة في مصر الآن أن المخدرات أصبحت متداولة في كل مكان..خاصة الأنواع التي تحتوي علي المواد المدمرة للمخ..والإقبال عليها من الذكور والإناث يتزايد بسبب الضغوط النفسية والاجتماعية..بل أنها أصبحت تباع علنا علي الأرصفة وأمام منصة الجندي المجهول وأمام فندق الماسة وميدان التحرير وفي طريق مطروح و الإسماعيليله في ظل الانفلات الامني الراهن.

وكما يقول عمرو عثمان مدير صندوق مكافحة الإدمان فإن الترامادول أصبح القاتل العصري بسبب إساءة استخدامه مما أدي الي انتشار الاكتئاب والهلاوس والسلوك الانتحاري وتحول مدمنيه الي مدمنين للهيروين.

ادمان الترامادول يؤثر بشكل بالغ علي الجهاز العصبي والمخ ويسبب إضطرابات عقلية وحالات صرع وجلطات مخية كما انه المسئول الاول عن ارتفاع معدلات العنف في المجتمع وأيضا حوادث الطرق…والمؤسف ان الترامادول الآن هو ثاني انواع المخدرات انتشارا في مصر بعد الحشيش!